عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
441
اللباب في علوم الكتاب
1247 - وصمّ صلاب ما يقين من الوجى * كأنّ مكان الرّدف منه على رال « 1 » أي : ليس بهن وجى ، فيشتكين من أجله ؛ وقال الأعشى : [ البسيط ] 1248 - لا يغمز السّاق من أين ولا وصب * ولا يعضّ على شرسوفه الصّفر « 2 » معناه : ليس بساقه أين ، ولا وصب ؛ فيغمزها . وقال الفراء « 3 » قريبا منه ، فإنه قال : « نفى الإلحاف عنهم ، وهو يريد جميع وجوه السؤال ؛ كما تقول في الكلام : « قلّ ما رأيت مثل هذا الرجل » ولعلك لم تر قليلا ، ولا كثيرا من أشباهه » . وجعل أبو بكر الآية الكريمة عند بعضهم من باب حذف المعطوف ، وأن التقدير : لا يسألون الناس إلحافا ، ولا غير إلحاف ، كقوله تعالى : سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [ النحل : 81 ] ، أي : والبرد . وقال بعضهم « 4 » : إنّ السائل الملحف الملح ، هو الذي يستخرج المال بكثرة تلطّفه ، فقوله : « لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً » أي : لا يسألون الناس بالرّفق ، والتّلطّف ، وإذا لم يوجد السؤال على هذا الوجه ، فبأن لا يوجد على وجه العنف أولى . وذكر ابن الخطيب - رحمه اللّه - فيها ثلاثة أوجه أخر : أحدها : أنه ليس المقصود من قوله : « لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً » وصفهم بأنهم لا يسألون الناس إلحافا ؛ لأنه تعالى وصفهم قبل ذلك بالتعفّف ، وإذا علم أنهم لا يسألون البتة ، قد علم - أيضا - أنهم لا يسألون الناس إلحافا ، بل المراد التّنبيه على سوء طريقة من يسأل الناس إلحافا ، مثاله : إذا حضر عندك رجلان : أحدهما عاقل ، وقور ثابت ، والآخر طيّاش مهذار سفيه ، فإذا أردت أن تمدح أحدهما ، وتعرض بالآخر ، قلت : فلان ، رجل عاقل وقور قليل الكلام ، لا يخوض في الترّهات ، ولا يشرع في السفاهات ، ولم يكن غرضك من قولك : لا يخوض في التّرّهات ، والسفاهات ، وصفه بذلك ؛ لأن ما تقدم من الأوصاف الحسنة يغني عن ذلك ؛ بل غرضك التنبيه على مذمّة الثاني ؛ فكذا هاهنا قوله : « لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً » بعد قوله : « يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ » الغرض منه التنبيه على مذمّة من يسأل الناس إلحافا . وثانيها : أنه تعالى بيّن فيما تقدّم شدّة حاجة هؤلاء الفقراء ومن اشتدت حاجته ، فإنه لا يمكنه ترك السؤال ؛ إلّا بإلحاح شديد منه على نفسه ، فقوله : « لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً »
--> ( 1 ) ينظر : ديوانه ( 36 ) ، الدر المصون 1 / 658 . ( 2 ) ينظر : مفردات الراغب ( 301 ) ، الدر المصون 1 / 659 . ( 3 ) ينظر : معاني القرآن للفراء 1 / 181 . ( 4 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 72 .